طريقٌ يبتلع أحلام العابرين... مأساة جديدة على طريق دمشق – دير الزور

طريقٌ يبتلع أحلام العابرين... مأساة جديدة على طريق دمشق – دير الزور

في مشهد يعيد إلى الأذهان سلسلة الحوادث المؤلمة التي شهدتها الطرق السورية خلال السنوات الماضية، تحوّل طريق دمشق – دير الزور إلى مسرح لفاجعة إنسانية جديدة بعد تصادم حافلتي ركاب، ما أدى – وفق الحصيلة الأولية – إلى وفاة 35 شخصًا وإصابة 30 آخرين، بينما سارعت فرق الإسعاف والدفاع المدني ووزارة الدفاع إلى إرسال الحوامات لنقل المصابين والضحايا إلى مشفى حمص العسكري في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وراء كل رقم في هذه الحصيلة قصة إنسان، وأسرة كانت تنتظر عودة ابن أو أب أو أم أو طالب أو عامل، قبل أن يصلها خبر الفاجعة. لحظات قليلة كانت كافية لتبدد أحلام عشرات العائلات، وتحوّل رحلة اعتيادية إلى واحدة من أكثر الحوادث إيلامًا.

ويُعد طريق دمشق – دير الزور أحد أهم الطرق البرية في سوريا، إذ يربط العاصمة بالمحافظات الشرقية مرورًا بمحافظة حمص، ويشكّل شريانًا رئيسيًا لحركة المسافرين ونقل البضائع. وقد أُنجزت معظم مراحله بصورته الحديثة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم شهد أعمال توسعة وصيانة متفرقة في العقود اللاحقة، إلا أن سنوات الحرب ألحقت به أضرارًا كبيرة، سواء في بنيته التحتية أو في الخدمات المرافقة له.

ورغم إعادة فتح الطريق أمام الحركة بعد استعادة الأمن في أجزاء واسعة منه، فإنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة؛ فهناك مقاطع طويلة تفتقر إلى الإنارة الليلية، وأجزاء تحتاج إلى إعادة تأهيل وصيانة، إضافة إلى محدودية محطات الاستراحة والخدمات، وازدياد حركة الشاحنات الثقيلة والحافلات على الطريق نفسه، فضلًا عن الإرهاق الذي يتعرض له بعض السائقين أثناء الرحلات الطويلة، وهي عوامل ترفع من احتمالية وقوع الحوادث إذا لم تُتخذ إجراءات وقائية صارمة.

إن مثل هذه الحوادث تطرح مجددًا أسئلة ملحّة حول واقع السلامة المرورية في سوريا، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتعزيز الرقابة على السرعات، وإجراء فحوص دورية للمركبات، وتنظيم ساعات عمل سائقي الحافلات، إلى جانب الإسراع في صيانة الطرق ووضع الحواجز والإشارات التحذيرية في المقاطع الخطرة.

ولعل أكثر ما يوجع في هذه المأساة أن الضحايا لم يكونوا طرفًا في نزاع أو كارثة طبيعية، بل كانوا مسافرين يبحثون عن الوصول إلى وجهتهم بأمان. وبينما تنشغل الجهات المختصة بعمليات الإنقاذ والتحقيق في أسباب الحادث، تبقى أمنية السوريين واحدة: أن تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة انطلاق لتحسين واقع الطرق، حتى لا تتكرر المآسي، ولا يتحول السفر بين المدن إلى رحلة قد لا تنتهي بالوصول.

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل.