رانيا العباسي وأطفالها الستة.. حكاية عائلة ابتلعها الظلام

هناك قصص لا تُروى لأنها مؤلمة فحسب، بل لأنها تتجاوز قدرة الكلمات على وصفها. ومن بين أكثر المآسي السورية وجعاً، تبقى قصة الطبيبة رانيا العباسي وعائلتها واحدة من أكثر الملفات التي حفرت جرحاً عميقاً في ذاكرة السوريين.

كانت رانيا العباسي طبيبة أسنان ناجحة، وبطلة سابقة في الشطرنج، وأماً لستة أطفال. كانت حياتها تدور حول أسرتها وعملها ومستقبل أطفالها الذين كانوا يحلمون مثل أي أطفال آخرين بمدرسة آمنة وبيت دافئ وحياة طبيعية.

لكن في آذار عام 2013، تبدّل كل شيء.

في ذلك اليوم، اختفت رانيا مع زوجها وأطفالها الستة بعد اعتقالهم من منزلهم في دمشق. لم يكن اختفاء أفراد العائلة خبراً عادياً، بل بداية واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري غموضاً وإيلاماً في سوريا. مرت السنوات، وتوالت الشائعات والتكهنات، فيما بقيت الأسرة معلقة بين الأمل والخوف، وبين انتظار الحقيقة والخشية منها.

كان أقارب العائلة يتمسكون بأي خيط قد يقود إلى معرفة مصيرهم. كانوا ينتظرون خبراً، اتصالاً، شهادة ناجٍ أو وثيقة رسمية. أي شيء يؤكد أن أفراد الأسرة ما زالوا على قيد الحياة. لكن السنوات مضت ثقيلة، ولم يصل سوى الصمت.

ومع ظهور معلومات وشهادات جديدة مرتبطة بملف مجزرة التضامن، عاد اسم العائلة إلى الواجهة من جديد. كلمات مؤلمة خرجت على لسان شقيق الدكتورة رانيا العباسي، وهو يتحدث عن مشاهد صادمة قال إنها أظهرت أطفال شقيقته ضحايا لواحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها البلاد.

لم يكن الحديث عن أرقام أو أسماء في سجل مفقودين، بل عن أطفال كانت لهم ضحكات وألعاب وأحلام صغيرة. أطفال لم يعرفوا من العالم سوى حضن أمهم ودفء عائلتهم، قبل أن يتحولوا إلى رمز من رموز المأساة السورية.

رحلت عائلة كاملة من المشهد. أم وأب وستة أطفال. بيت كان يعج بالحياة أصبح ذكرى. وصور عائلية كانت توثق لحظات الفرح تحولت إلى شاهد صامت على غياب طويل ومؤلم.

قصة رانيا العباسي ليست قصة عائلة واحدة فقط، بل قصة آلاف العائلات التي لا تزال تبحث عن الحقيقة. إنها قصة الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن على الأبواب، والآباء الذين رحلوا قبل أن يعرفوا مصير أحبائهم، والأطفال الذين كبروا وهم يحملون صور المفقودين بدل أن يحملوا أيديهم.

ورغم مرور السنوات، يبقى اسم رانيا العباسي وعائلتها حاضراً في الذاكرة السورية، ليس فقط بوصفهم ضحايا اختفاء قسري، بل بوصفهم رمزاً للإنسان الذي سُلب حقه في الحياة والأمان والعدالة.

رحم الله رانيا العباسي وزوجها وأطفالها، ورحم كل من غابوا خلف جدران الصمت، وبقيت حكاياتهم تنتظر الحقيقة.