قادة العالم من منبر الأمم المتحدة: غزة وفلسطين في الصدارة وسوريا تؤكد سيادتها وإصلاح المنظمة الدولية يتصدر المشهد
تصدرت الأزمات الدولية والإقليمية الكبرى كلمات قادة العالم أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في ظل مشهد دولي شديد التعقيد تتداخل فيه الحروب والأزمات الإنسانية مع ملفات السيادة والأمن والطاقة والاقتصاد وإصلاح النظام الدولي.
ومن غزة وفلسطين إلى سوريا والجولان، مروراً بإيران وأوكرانيا والسودان ولبنان، ركز رؤساء الدول والحكومات في كلماتهم على عجز المؤسسات الدولية عن التعامل مع عدد متزايد من الأزمات، فيما برزت دعوات متكررة إلى إصلاح مجلس الأمن وتعزيز احترام القانون الدولي وإعادة الاعتبار للعمل الدبلوماسي.
الشرع: الجولان سيبقى أرضاً سورية
وفي مقدمة الكلمات التي حملت ملفات المنطقة، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الجمعية العامة أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، رافضاً الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير وضعه القانوني.
وشدد الشرع على تمسك سوريا بسيادتها ووحدة أراضيها، مؤكداً أن أي إجراءات تستهدف تغيير الوضع القانوني للجولان لا يمكن أن تمنح الاحتلال شرعية.
ويأتي خطاب الشرع في وقت تحاول فيه دمشق إعادة تثبيت حضورها الدبلوماسي على الساحة الدولية، بالتزامن مع مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وتعزيز العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية.
كما أكد الشرع في تحركاته بنيويورك أن سوريا لا تحتاج إلى قواعد عسكرية أجنبية، وأن أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي السورية يجب أن يستند إلى إطار قانوني توافق عليه مؤسسات الدولة.
وكان الشرع قد وصل إلى نيويورك على رأس وفد رسمي للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة، حيث عقد لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وقادة دول، وناقش مستقبل سوريا وعلاقاتها الدولية وإعادة الإعمار والاستقرار.
أردوغان: الأمم المتحدة لم تعد قادرة على أداء مهمتها
وفي كلمة لافتة، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إصلاح شامل لمنظومة الأمم المتحدة، معتبراً أن المنظمة التي تأسست قبل 81 عاماً للحفاظ على السلام والأمن الدوليين لم تعد قادرة على أداء مهمتها بالشكل المطلوب.
وقال أردوغان إن أكثر من 60 نزاعاً وحرباً يشهدها العالم، مشيراً إلى أن الأشهر الـ12 الماضية كانت من أكثر الفترات دموية خلال العقود الأخيرة.
ووضع الرئيس التركي القضية الفلسطينية في صدارة خطابه، منتقداً ما وصفه بعجز المجتمع الدولي أمام معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وداعياً الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في مواقفها.
كما أكد استمرار دعم تركيا للشعب السوري، مشيراً إلى أن سوريا دخلت مساراً جديداً بعد سنوات من الظلم، وتمضي بقيادة الرئيس أحمد الشرع نحو بناء دولة آمنة ومستقرة.
ترامب: إيران وأوكرانيا والنظام الدولي في صلب الخطاب الأمريكي
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقدم في كلمته رؤية حادة للسياسة الخارجية الأمريكية، مركزاً على إيران، والحرب الروسية الأوكرانية، والأمن الدولي، إضافة إلى ملفات فنزويلا وكوبا ومكافحة المخدرات.
وفي ما يتعلق بإيران، حذر ترامب من إمكانية اللجوء إلى خيارات عسكرية شديدة القسوة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، في حين قال إنه يتوقع إمكانية إحراز تقدم دبلوماسي بعد الانتخابات النصفية الأمريكية.
كما أكد تمسكه بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وتحدث عن تعزيز القوة العسكرية الأمريكية، وانتقد عدداً من مؤسسات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، داعياً إلى إصلاح المنظمة وتقليص البيروقراطية فيها.
أمير قطر: لا نظام دولياً عادلاً مع بقاء فلسطين «نقطة عمياء»
ووضع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني القضية الفلسطينية في قلب كلمته أمام الجمعية العامة.
وقال إن الحديث عن نظام دولي عادل لا يمكن أن يكون ممكناً ما دامت فلسطين تمثل «نقطة عمياء» في هذا النظام، معتبراً أن ما حدث في غزة يمثل، وفق توصيفه، «إبادة جماعية».
وشدد أمير قطر على الفجوة الكبيرة بين حجم الكارثة الإنسانية في غزة ومستوى الاستجابة الدولية لها، مؤكداً ضرورة التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية في مستقبل الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
ويأتي الموقف القطري بالتزامن مع استمرار الدوحة في التحرك الدبلوماسي بشأن غزة، ودعم مسار يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين.
الملك عبدالله الثاني: الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى أمر دائم
من جانبه، حذر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من تحول ما وصفه بالوقائع المؤقتة إلى سياسات دائمة، مؤكداً أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود لم يؤدِّ إلى حل الأزمة وإنما سمح بتفاقمها.
وركز الملك عبدالله على الأوضاع في غزة والضفة الغربية، محذراً من عمليات التهجير القسري وتغيير الواقع على الأرض، ومشدداً على ضرورة الوصول إلى حل سياسي يضمن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
كما أشار إلى أن الأزمات في المنطقة لا تبقى محصورة داخل حدودها، مستشهداً بتأثير الحروب على أسعار الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار حول العالم.
ماكرون: معاناة غزة «عار على الجميع»
وفي الجانب الأوروبي، ركز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الحرب في غزة والقضية الفلسطينية، منتقداً عدم قدرة المجتمع الدولي على وقف المعاناة الإنسانية.
وجاء خطاب ماكرون في سياق تحرك فرنسي وأوروبي أوسع لدعم حل الدولتين وتعزيز الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مع الدعوة إلى تحرك دولي أكبر لإنهاء الحرب ومعالجة الوضع الإنساني في القطاع.
وتزامن ذلك مع اجتماع رفيع المستوى حول حل الدولتين شاركت في تنظيمه فرنسا وكندا والمملكة المتحدة، مع تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة أن إقامة دولتين على أساس خطوط ما قبل عام 1967 تمثل المسار الأكثر وضوحاً نحو سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لولا: إصلاح مجلس الأمن والدفاع عن السيادة
أما الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فركز على إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، ولا سيما مجلس الأمن، إلى جانب قضايا المناخ والديمقراطية والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.
وانتقد لولا ما اعتبره عجز النظام الدولي الحالي عن التعامل مع الأزمات والحروب، داعياً إلى إعادة بناء التعددية الدولية وتعزيز تمثيل الدول النامية في مؤسسات صنع القرار.
كما تناول في خطابه قضايا الاقتصاد وعدم المساواة والذكاء الاصطناعي والمناخ، إلى جانب التحذير من التدخلات الخارجية في العمليات الانتخابية والسيادة الوطنية.
غوتيريش: العالم أمام اختبار كبير للسلام
وفي افتتاح أعمال المناقشة العامة، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من تزايد الأزمات وتراجع الثقة في النظام الدولي، داعياً قادة العالم إلى استخدام أسبوع الجمعية العامة للدفع نحو خفض التصعيد والحوار.
وقال غوتيريش إن القانون الدولي يجب ألا يطبق بصورة انتقائية، مؤكداً ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
ووضع غزة في مقدمة الأزمات الإنسانية، داعياً إلى وقف القتال وإدخال المساعدات، ومؤكداً ضرورة الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية ضمن حل الدولتين.
كما دعا غوتيريش إلى إصلاح منظومة الحوكمة العالمية، محذراً من أن القوى الكبرى وحدها لا تستطيع حل أزمات العالم، وأن تراجع الثقة والانقسامات الجيوسياسية يزيدان هشاشة النظام الدولي.
القضية الفلسطينية تجمع معظم الخطابات
وبينما اختلفت مواقف القادة في توصيف أسباب الأزمات وطرق التعامل معها، برزت القضية الفلسطينية وغزة كأحد أكثر الملفات حضوراً في كلمات القادة خلال الأيام الأولى من المناقشة العامة.
فقد دعا عدد من القادة إلى وقف الحرب وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، فيما ركز آخرون على الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحل الدولتين ورفض تغيير الواقع الجغرافي والقانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما اجتمع وزراء خارجية قطر ومصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية في نيويورك، وأكدوا ضرورة إدخال المساعدات إلى غزة، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ودعم مسار يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
إصلاح الأمم المتحدة... عنوان مشترك
إلى جانب فلسطين، ظهر موضوع إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن باعتباره قاسماً مشتركاً بين عدد من كلمات القادة.
ويرى قادة دول عدة أن بنية مجلس الأمن الحالية لا تعكس التوازنات السياسية والاقتصادية في العالم المعاصر، فيما تتزايد الدعوات إلى تمثيل أوسع للدول النامية وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وقال رئيس الدورة الـ81 للجمعية العامة، الدكتور خليل الرحمن، في افتتاح المناقشة العامة، إن السؤال الذي يطرحه الناس خارج مقر الأمم المتحدة ليس ما إذا كانت المنظمة لا تزال موجودة، وإنما ما إذا كانت «تعمل» فعلاً.
ودعا إلى استعادة الثقة بالمنظمة عبر إصلاح مجلس الأمن، وتحسين أداء المؤسسات الدولية، وتعزيز التنمية، وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص والخبراء في الملفات العالمية الجديدة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي والمناخ والاقتصاد... ملفات تتجاوز الحروب
ولم تقتصر كلمات القادة على الحروب والصراعات.
فقد حضر الذكاء الاصطناعي بقوة في الخطابات، وسط خلاف دولي حول كيفية تنظيمه وتحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المجتمعات من مخاطره.
كما تصدرت قضايا تغير المناخ، وأمن الطاقة، والديون، والتنمية، والفقر، والأمن الغذائي، وعدم المساواة جدول الأعمال، في ظل ارتباط هذه الملفات بشكل متزايد بالأزمات الأمنية والسياسية.
ويعكس ذلك اتساع أجندة الجمعية العامة من إدارة النزاعات العسكرية إلى بحث الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي تشكل مستقبل النظام الدولي.
سوريا وفلسطين والشرق الأوسط في قلب المشهد
ومع استمرار كلمات قادة الدول خلال بقية أيام المناقشة العامة، تبدو منطقة الشرق الأوسط في مقدمة الملفات التي تفرض نفسها على اجتماعات نيويورك.
فالقضية الفلسطينية، والحرب في غزة، والتوترات المرتبطة بإيران، والوضع في سوريا، والجولان، وأمن لبنان، كلها ملفات مترابطة تحضر في مواقف القادة، وسط محاولات دبلوماسية للدفع باتجاه خفض التصعيد وإعادة إطلاق المسارات السياسية.
أما سوريا، فقد سعت من خلال مشاركة الرئيس أحمد الشرع إلى تثبيت حضورها في المرحلة الجديدة، وطرح ملفات السيادة والجولان وإعادة بناء الدولة والعلاقات الدولية أمام المجتمع الدولي، بالتزامن مع لقاءات سورية مع مسؤولين وقادة دول على هامش الجمعية العامة.
مشهد دولي يبحث عن مخرج
تكشف كلمات قادة العالم في الدورة الـ81 للجمعية العامة عن عالم يعيش مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحروب مع أزمات الاقتصاد والطاقة والمناخ والتكنولوجيا.
وبينما ركزت الولايات المتحدة على القوة والأمن والمواجهة مع خصومها، دفعت دول أخرى باتجاه تعزيز التعددية وإصلاح المؤسسات الدولية، فيما جعلت دول عربية وإسلامية القضية الفلسطينية في صدارة خطابها.
وفي المقابل، طرحت سوريا ملف سيادتها وأرضها المحتلة، بينما دعت تركيا إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة واستعادة ثقة الشعوب بها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على اجتماعات نيويورك: هل تستطيع الكلمات والبيانات والمبادرات الدبلوماسية أن تتحول إلى خطوات عملية توقف الحروب، وتحمي المدنيين، وتعيد الاعتبار للقانون الدولي، أم أن الانقسامات الدولية ستواصل إضعاف قدرة المؤسسات الدولية على التعامل مع الأزمات؟
هيئة التحرير