خلافات سياسية وتقاطعات استراتيجية.. أين يلتقي الديمقراطيون والجمهوريون وأين يفترقون في ملفات إيران والحروب وإسرائيل؟

خلافات سياسية وتقاطعات استراتيجية.. أين يلتقي الديمقراطيون والجمهوريون وأين يفترقون في ملفات إيران والحروب وإسرائيل؟

واشننطن – رغم حدة الانقسام السياسي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، فإن الخلافات بينهما في السياسة الخارجية لا تعني بالضرورة وجود رؤيتين متناقضتين بالكامل، ولا سيما في الملفات المرتبطة بإيران وإسرائيل والأمن القومي والحروب في الشرق الأوسط.

ففي الوقت الذي تختلف فيه أولويات الحزبين بشأن كيفية إدارة الأزمات الدولية، وحدود التدخل العسكري، ودور الدبلوماسية والعقوبات، تتقاطع مواقفهما في عدد من المصالح الاستراتيجية الأمريكية، ما يجعل السياسة الخارجية مجالاً يجمع بين التنافس الحزبي والاستمرارية في بعض الثوابت.

إيران.. اتفاق على منع امتلاك السلاح النووي وخلاف على الحرب

يمثل الملف الإيراني إحدى أبرز نقاط التقاطع والخلاف بين الحزبين. فالديمقراطيون والجمهوريون يتفقون على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والحد من قدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي، لكنهم يختلفون بشأن الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك.

يميل التيار الجمهوري، خصوصاً داخل معسكر الرئيس دونالد ترامب، إلى تبني سياسة الضغط الأقصى، وتوسيع العقوبات، وإبقاء الخيار العسكري مطروحاً، مع اعتبار القوة العسكرية وسيلة لفرض شروط أمريكية على طهران.

في المقابل، يضم الحزب الديمقراطي تيارات أكثر ميلاً إلى الدبلوماسية والتفاوض والاتفاقات النووية، إلى جانب تيارات تتبنى مواقف متشددة تجاه إيران وترفض تقديم تنازلات لها.

وبرز الخلاف بصورة واضحة عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، إذ اعترض الديمقراطيون على تجاوز الكونغرس في قرار الحرب، وطالبوا بالحصول على تفويض تشريعي لاستمرار العمليات العسكرية، فيما أيد عدد كبير من الجمهوريين تحركات الإدارة، مع اعتراض بعض الجمهوريين ذوي التوجهات الانعزالية على استمرار الحرب دون موافقة الكونغرس.

 لكن هذا التوافق لم يعد بالدرجة نفسها من الانسجام، خصوصاً داخل الحزب الديمقراطي، حيث تتزايد الأصوات المطالبة بمراجعة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل وربطها بسلوك الحكومة الإسرائيلية واحترام القانون الدولي، في ظل الحرب على غزة والتطورات في الضفة الغربية.

في المقابل، لا يزال الحزب الجمهوري، بصورة عامة، أكثر تمسكاً بتقديم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، مع وجود تباينات داخل بعض التيارات المحافظة بشأن حجم الانخراط الأمريكي في حروب الشرق الأوسط.

وتكشف التطورات الأخيرة عن اتساع النقاش داخل الحزبين بشأن طبيعة العلاقة مع حكومة بنيامين نتنياهو، وحدود الدعم الأمريكي، وما إذا كان ينبغي أن يكون غير مشروط أو مرتبطاً باعتبارات سياسية وقانونية.

وكان نحو نصف أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين قد أيدوا خلال تصويت سابق خطوات لخفض المساعدات العسكرية لإسرائيل، في مؤشر على التحولات داخل الحزب.

فالجمهوريون، وخصوصاً التيار المحافظ التقليدي، يميلون إلى تعزيز الإنفاق العسكري والحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي، مع تأييد استخدام القوة عندما يرون أن المصالح الأمريكية أو أمن الحلفاء مهددان.

أما الديمقراطيون فيميلون بصورة أكبر إلى التشديد على دور الدبلوماسية والتحالفات الدولية والرقابة التشريعية على القرارات العسكرية، وإن كان داخل الحزب تيار يدعم التدخل العسكري في ظروف معينة.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الديمقراطيين حزباً رافضاً للحروب أو الجمهوريين حزباً مؤيداً لكل تدخل عسكري؛ إذ ظهرت انقسامات داخل الحزبين بشأن الحرب مع إيران، وتكاليفها، وانعكاساتها على الاقتصاد والأمن الإقليمي.

أوكرانيا وروسيا.. تقاطعات تتجاوز الانقسام الحزبي

يشكل الملف الأوكراني مثالاً آخر على اختلاف الأولويات بين الحزبين، مع وجود تقاطعات داخل الكونغرس.

فالديمقراطيون أكثر تمسكاً باستمرار الدعم العسكري والمالي لكييف ومواجهة التوسع الروسي، بينما شهد الحزب الجمهوري انقساماً بين تيار يدعم استمرار مساعدة أوكرانيا، وآخر يدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الأولويات الأمريكية الداخلية.

لكن عدداً من الجمهوريين والديمقراطيين يتفقون على ضرورة عدم منح روسيا مكاسب استراتيجية واسعة، وهو ما ظهر في مواقف مشتركة داخل الكونغرس بشأن العقوبات والسياسة تجاه موسكو.

الصين والأمن القومي.. منافسة تتجاوز الخلافات الحزبية

في ملف الصين، يتقاطع الحزبان بصورة واسعة حول اعتبار بكين منافساً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة، وضرورة حماية التفوق الأمريكي في المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية.

ويختلف الطرفان في أدوات إدارة هذه المنافسة، ولا سيما بشأن الرسوم الجمركية والتجارة والتعاون الدولي، لكنهما يشتركان في دعم تعزيز القدرات الدفاعية الأمريكية والحد من المخاطر المرتبطة بالنفوذ الصيني.

كما يتفق الجانبان على أهمية حماية المصالح الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والحفاظ على شبكة التحالفات والشراكات الأمنية في المنطقة.

تكتسب هذه الخلافات أهمية إضافية بعد انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، التي تمكن الديمقراطيون خلالها من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، ما يضع إدارة ترامب أمام واقع سياسي جديد يتمثل في انقسام السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس.

ومن المتوقع أن يستخدم الديمقراطيون سيطرتهم على المجلسين لتوسيع الرقابة على قرارات الإدارة المتعلقة بالحرب مع إيران، ومراجعة الإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية، وزيادة التدقيق في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.

لكن هذه السيطرة لا تعني امتلاك الديمقراطيين القدرة الكاملة على تغيير السياسة الخارجية، إذ يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية والعلاقات الدبلوماسية، كما أن تجاوز الفيتو الرئاسي يتطلب أغلبية الثلثين في المجلسين.

وبذلك، قد تتحول المرحلة المقبلة إلى اختبار حقيقي للعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، خصوصاً في ملفات إيران وإسرائيل والحروب الخارجية.

لا يدور الخلاف الأمريكي بين الديمقراطيين والجمهوريين حول الأهداف الاستراتيجية الكبرى بقدر ما يدور حول أدوات تحقيقها وتكاليفها وحدود استخدامها. فكلا الحزبين يسعى إلى حماية النفوذ الأمريكي ومنع خصوم واشنطن من تغيير موازين القوى الدولية، لكنهما يختلفان بشأن متى تستخدم الولايات المتحدة القوة العسكرية، ومتى تلجأ إلى الدبلوماسية، وإلى أي مدى ينبغي أن تتحمل أعباء حروب حلفائها.

وهذا التباين يجعل السياسة الخارجية الأمريكية مزيجاً من الثوابت الاستراتيجية والتجاذبات الحزبية، حيث قد تتغير وسائل التنفيذ مع تغير موازين القوى في واشنطن، حتى عندما تبقى الأهداف الأساسية على حالها.