بين القواعد والنفوذ والعدالة.. ما أوراق دمشق للضغط على موسكو لتسليم بشار الأسد؟

بين القواعد والنفوذ والعدالة.. ما أوراق دمشق للضغط على موسكو لتسليم بشار الأسد؟

لم يعد ملف بشار الأسد قضية سورية داخلية فحسب، بل تحول إلى أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين دمشق وموسكو. فبعد سقوط النظام السابق، وجدت روسيا نفسها أمام معادلة جديدة: الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في سوريا، وفي الوقت نفسه حماية الرئيس السابق الذي منحته اللجوء على أراضيها.

لكن دمشق لا تقف بلا أوراق. فالعلاقة مع موسكو لم تعد قائمة على المعادلة القديمة التي كانت فيها روسيا صاحبة النفوذ الأكبر داخل سوريا، بل أصبحت أمام حكومة سورية جديدة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات العربية والإقليمية والدولية، وتستطيع إعادة ترتيب المصالح الروسية في البلاد.

القواعد الروسية.. الورقة الأكثر حساسية

يبقى الوجود الروسي في الساحل السوري أحد أهم الملفات التي يمكن لدمشق استخدامها في التفاوض. فقاعدتا حميميم وطرطوس تمثلان بالنسبة إلى موسكو أكثر من مجرد منشآت عسكرية؛ إنهما جزء من حضورها الاستراتيجي في البحر المتوسط.

ومن هنا تستطيع دمشق ربط مستقبل هذا الوجود بمسار العلاقة السياسية مع روسيا، دون الحاجة إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع موسكو. فكلما احتاجت روسيا إلى ضمانات لاستمرار مصالحها، ازدادت قدرة دمشق على طرح ملفاتها، وفي مقدمتها قضية الأسد.

المصالح الاقتصادية في قلب المعادلة

تمتلك سوريا أيضًا أوراقًا اقتصادية يمكن استخدامها في التفاوض، بدءًا من الموانئ والطاقة وصولًا إلى الاستثمارات والعقود وإعادة الإعمار.

روسيا تريد الحفاظ على موطئ قدم اقتصادي في سوريا، بينما تحتاج دمشق إلى شركاء لإعادة بناء اقتصادها. وهذا يخلق مساحة للتفاوض: تستطيع الحكومة السورية منح موسكو مصالح اقتصادية، لكنها في المقابل تستطيع ربط تلك المصالح بعلاقة سياسية جديدة تقوم على احترام سيادة الدولة السورية والتعامل مع الملفات العالقة، وعلى رأسها ملف المسؤولية عن المرحلة السابقة.

الشرعية الدولية.. ورقة تتعاظم

كلما اتسعت علاقات دمشق مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والدول العربية، تراجعت قدرة موسكو على استخدام الاعتراف السياسي كوسيلة ضغط على الحكومة السورية.

فدمشق اليوم ليست مضطرة إلى الاعتماد على روسيا وحدها، وهو تغير جوهري في ميزان القوى. ويمكن للحكومة السورية أن تنفتح على شركاء متعددين، بما يجعل روسيا أمام خيار واضح: إما التكيف مع سوريا الجديدة والحفاظ على مصالحها، أو المخاطرة بخسارة نفوذها تدريجيًا.

العدالة.. الملف الذي يصعب تجاهله

يبقى ملف العدالة الأكثر حساسية بالنسبة إلى السوريين. فالمطالبة بتسليم بشار الأسد لا تنطلق فقط من الرغبة في الانتقام السياسي، وإنما من اتهامات بارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة خلال سنوات الحرب.

وهنا تستطيع دمشق تحويل القضية من مطلب سياسي إلى ملف قضائي، عبر التحقيقات والتوثيق والأحكام والملاحقات القانونية، بما يجعل وجود الأسد في روسيا قضية ذات أبعاد دولية وليست مجرد مسألة لجوء سياسي.

لكن في المقابل، فإن موسكو تنظر إلى الأسد باعتباره جزءًا من إرثها السياسي في سوريا، ولذلك من غير المرجح أن تتخلى عنه بسهولة ما لم تحصل على مقابل سياسي أو استراتيجي كبير.

هل تستطيع دمشق إجبار موسكو؟

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت دمشق تمتلك ورقة واحدة قادرة على إجبار موسكو، وإنما ما إذا كانت قادرة على جمع عدة أوراق في تفاوض واحد.

القواعد الروسية، المصالح الاقتصادية، العلاقات الدولية، مستقبل العقود، والملف القضائي يمكن أن تتحول مجتمعة إلى منظومة ضغط متكاملة.

لكن الطريق الأكثر واقعية قد لا يكون عبر مواجهة مفتوحة مع روسيا، وإنما عبر صفقة سياسية طويلة الأمد تجعل موسكو تدرك أن الحفاظ على مصالحها في سوريا يمر عبر بناء علاقة مستقرة مع الدولة السورية الجديدة.

وفي هذه الحالة، يصبح بشار الأسد جزءًا من معادلة أكبر: ماذا تريد روسيا أن تحتفظ به في سوريا، وماذا تستطيع دمشق أن تقدم مقابل الوصول إلى العدالة؟

معركة ما بعد الأسد

في النهاية، فإن ملف بشار الأسد يمثل اختبارًا حقيقيًا للسياسة الخارجية السورية الجديدة. فدمشق تريد استعادة سيادتها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفي الوقت ذاته لا تريد الدخول في صراع طويل مع قوة دولية كروسيا.

أما موسكو، فهي أمام اختبار مختلف: هل تستطيع الانتقال من حماية حليف سابق إلى بناء علاقة استراتيجية مع سوريا الجديدة؟

وبينما قد لا يكون تسليم الأسد قريبًا أو مضمونًا، فإن ميزان القوى لم يعد كما كان. دمشق تمتلك اليوم قدرة أكبر على تنويع تحالفاتها، وموسكو تحتاج بدورها إلى الحفاظ على مصالحها.

ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستسلّم روسيا بشار الأسد؟ بل: ما الثمن السياسي والاستراتيجي الذي يمكن أن يجعل موسكو تقبل بذلك؟