حين يسقط الجار على جاره.. دماء أطفال سوريا ليست انتصاراً
ليس أقسى على الإنسان من أن يفقد عائلته تحت القصف، وليس أكثر وجعاً من أن يتحول البيت الذي كان يحتمي فيه الأطفال من برد الليل وخوف العالم إلى ركام، وأن تصبح ضحكاتهم التي كانت تملأ المكان أسماءً في قوائم الضحايا.
في ريف درعا، لا نتحدث عن أرقام عابرة في نشرة أخبار، بل عن أرواح أُزهقت، وعائلات فُجعت، وأطفال لم يُمنحوا حتى فرصة أن يكبروا. ووفق ما أعلنه مدير صحة درعا، ارتفع عدد ضحايا الغارات الجوية الأردنية إلى سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وثلاثة رجال وامرأة، إضافة إلى ثلاثة جرحى.
أيّ معنى للأمن إذا كان المدنيون هم من يدفعون ثمنه؟ وأيّ انتصار يمكن أن يُروى بينما هناك أمّ تبحث عن طفلها بين الأنقاض، وأبٌ يودّع أسرته دفعة واحدة؟
إن خطورة ما حدث لا تقف عند حدود الضحايا وحدهم، بل تمتد إلى معنى الجوار نفسه. فالأردن وسوريا ليسا بلدين تفصل بينهما خطوط على الخريطة فحسب؛ إنهما جاران تجمعهما حدود طويلة، وروابط اجتماعية وإنسانية، ومصائر لا يمكن التعامل معها بمنطق القوة وحده. والجوار ليس مجرد قرب جغرافي، بل مسؤولية أخلاقية، واحترام لسيادة الآخر، وحرص على ألا يتحول أمن طرف إلى خوف ودمار لدى الطرف المقابل.
وإذا كانت هناك تهديدات أمنية أو ملفات معقدة على الحدود، فإن معالجتها تحتاج إلى تنسيق واضح ومباشر، وإلى إجراءات تحمي المدنيين وتمنع تكرار المآسي. أما أن يجد الناس أنفسهم أمام قصف لم يسبقه، وفق الحكومة السورية، تنسيق مع دمشق، ثم يُطلب منهم أن يتعاملوا مع موت أحبائهم بوصفه أمراً عادياً، فذلك جرح لا تداويه البيانات.
والأشد إيلاماً أن يسارع بعض الإعلاميين إلى الاحتفاء بالقصف وتقديمه بوصفه إنجازاً. منذ متى أصبح موت المدنيين مادة للتفاخر؟ ومتى تحولت جثامين الأطفال إلى أرقام تُضاف إلى رصيد الانتصارات؟ إن الكلمة التي تبرر سفك الدم لا تقل قسوة عن صمتٍ يتجاهل وجع الضحايا، ولا يليق بالإعلام أن يصفق للموت قبل أن يسأل: من دفع الثمن؟ ومن سيعيش ما تبقى من عمره تحت وطأة الفقد؟
لسنا هنا لنبرر أي تهديد أمني، ولا لننكر حق الدول في حماية حدودها؛ لكن حماية الحدود لا تعني أن تصبح حياة الأبرياء تفصيلاً يمكن تجاوزه. أمن الدول لا يُقاس فقط بما تمنعه من أخطار، بل أيضاً بما تنجح في حمايته من أرواح الناس وكرامتهم.
إلى العائلات التي فقدت أبناءها في درعا: لا توجد كلمات تعيد طفلاً إلى حضن أمه، ولا اعتذار يمحو صورة البيت حين يتحول إلى ركام. كل ما يمكن قوله إن وجعكم ليس رقماً، وإن دماء أبنائكم ليست مادة للدعاية، وإن من حقكم أن تعرفوا الحقيقة، وأن تُحاسَب المسؤولية، وأن تنالوا العدالة.
أما الجار، فليتذكر أن الحدود قد تفصل أرضاً عن أرض، لكنها لا تمنح أحداً حق الاستهانة بدماء من يعيشون خلفها. فالجيرة التي لا تحمي الإنسان عند الخطر تفقد معناها، والقوة التي لا تميّز بين التهديد والطفل لا تصنع أمناً دائماً.
لا تجعلوا من دماء السوريين نشيد انتصار. فهناك أمهات لن يعدن كما كنّ، وبيوت لن تكتمل بعد اليوم، وأطفال لن يعودوا إلى مقاعدهم. وفي النهاية، لن يكون السؤال كم هدفاً أصابت الغارات، بل كم حياةً انكسرت، وكم عائلةً تُركت وحدها أمام الفاجعة.
هيئة التحرير