بعد اكتمال انسحاب التحالف.. هل يواجه العراق فراغاً أمنياً؟
مع اكتمال انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي من العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026، تدخل البلاد مرحلة أمنية جديدة تنقل فيها بغداد مسؤولية إدارة الملف الأمني والعسكري بصورة أكبر إلى مؤسساتها الوطنية. ويأتي ذلك بعد مسار انسحاب بدأ بموجب الاتفاق العراقي-الأمريكي لعام 2024.
لكن انتهاء الوجود العسكري للتحالف لا يعني بالضرورة نشوء فراغ أمني شامل؛ إذ تؤكد بغداد أن القوات العراقية تولت بالفعل جانباً كبيراً من مهام مكافحة تنظيم «داعش»، وأن القوة الجوية العراقية تنفذ عمليات الاستطلاع والمسح الجوي، فيما انتقلت العلاقة مع واشنطن إلى إطار التعاون الأمني الثنائي والتدريب والتسليح.
أين تكمن المخاوف؟
أولاً: عودة تنظيم «داعش»
يمثل التنظيم أحد أبرز مصادر القلق، خصوصاً مع فقدان العراق بعض القدرات التي كان يوفرها التحالف في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والدعم اللوجيستي. وتحذر تقديرات أمنية من إمكانية استفادة التنظيم من أي ثغرات تظهر خلال مرحلة الانتقال.
ثانياً: الدفاع الجوي
يشكل خروج منظومات الدفاع الجوي الأمريكية، ولا سيما «باتريوت»، تحدياً إضافياً. فقد كانت هذه المنظومات تؤدي دوراً في مواجهة الصواريخ والمسيّرات، خصوصاً في إقليم كردستان.
ثالثاً: توازن القوى داخل العراق
يرى محللون أن انسحاب القوات الأمريكية قد يفتح مساحة أكبر للقوى والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران لتعزيز نفوذها، في وقت لا تزال فيه مسألة حصر السلاح بيد الدولة واحدة من أبرز الملفات الأمنية والسياسية أمام الحكومة العراقية.
وماذا عن قدرة القوات العراقية؟
في المقابل، تشير المعطيات إلى أن الانسحاب لم يكن مفاجئاً، بل جرى التحضير له تدريجياً خلال العامين الماضيين. وتقول بغداد إن القوات العراقية أصبحت قادرة على تنفيذ مهامها الأمنية بشكل مستقل، بينما يستمر التعاون مع واشنطن عبر التدريب والمساعدة العسكرية وبيع الأسلحة وصيانة المعدات.
القراءة العسكرية
من الناحية العسكرية، فإن التحدي الأساسي لا يتعلق بعدد الجنود الأجانب الذين غادروا العراق بقدر ما يتعلق بالقدرات التي رافقت وجودهم: الاستخبارات، الاستطلاع الجوي، الدعم اللوجيستي، الدفاع الجوي، والقدرة على تنفيذ عمليات دقيقة ضد الجماعات المسلحة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة بغداد على سد هذه الفجوات من خلال تطوير قواتها الجوية والاستخباراتية والدفاع الجوي، وضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة، والحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين.
الخلاصة: لا توجد مؤشرات تتيح القول إن العراق دخل تلقائياً في فراغ أمني بمجرد اكتمال الانسحاب، لكن هناك فجوات وقدرات أمنية تحتاج إلى تعويض وتطوير. وسيعتمد حجم المخاطر خلال المرحلة المقبلة بدرجة كبيرة على قدرة الدولة العراقية على إدارة الحدود، مكافحة «داعش»، حماية المجال الجوي، وضبط السلاح وتعزيز التنسيق بين مؤسساتها الأمنية.
هيئة التحرير